شباب مصر أسقطوا نظاماً واحداً وانتزعوا اعتراف العالم

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

بالأمس القريب كانت العصا تلوح في وجوههم أينما ذهبوا. فإذا حاولوا النطق بالسياسة في الجامعة، ظهرت العصا سريعاً. «إنهم يشيعون البلبلة. الجامعة مكان للعلم، أما السياسة فخارج هذه الأسوار التي يسيطر عليها ويحميها حرس الجامعة من أي محاولات دنيئة».


وإذا خرجوا من البوابة كيلا يخرقوا قانون الجامعة، ونظموا تظاهرة للاعتراض على الغزو الأميركي للعراق، أو القصف الإسرائيلي لفلسطين، أو التدخل السافر في لبنان، ظهرت العصا مجدداً. «إنهم يخرقون قانون الطوارئ الذي يمنع التجمعات الجماهيرية. مــن حــقنا استخدام قوات مكافحة الشغب لتفريقهم».

يتفرقون فيلجأون لأسلوب لآخر يتحايلون به على حرس الجامعة وقوات مكافحة الشغب. يحاولون إيصال أصواتهم من خلال القنوات الإعلامية المختلفة. يرسلون خطابات إلى الصحف القومية لعرض أفكارهم واستعراض مشروعاتهم وشرح مشكلاتهم.

لكن شعار الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم ليس مذكوراً على الورقة، كما أنها غير مذيلة بختم جمعية «جيــل المستــقبل» وهــي الجــمعية الشــبابية الوحيدة المعترف بها بالنسبة إلى الصحافة الرسمية. وبدلاً من العصا يبرز زر سلة القمامة حيث تستقر تلك المــخاطــبات والمراسلات.

يخرجون من مبنى الصحيفة القومية ويلجأون إلى التلفزيون الرسمي. ها هو برنامج حواري شبابي يستضيف الشباب ليتحدثوا بكل حرية عن أحلامهم وآمالهم وأوجاعهم، طالما هي في إطار الشرعية بحسب تعريف التلفزيون الرسمي، والتي هي إما مفصلة على مقاس فكر الحزب الوطني الديموقراطي، أو معدلة لتناسب حزبين من أحزاب المعارضة المدجنة. حتى حين ينجح أحدهم في التسلل إلى داخل الاستوديو المهيب ذي المقاعد المرصصة على هيئة نصف دائرة حول لجنة الحكماء الملتصقة على كراسيها في المنتصف، فإن السؤال الوحيد الذي يسمح له المعد بإلقائه هو ذلك المعد سلفاً والموزع عليه. أي خروج على النص غير مقبول، وأي تصفيق في غير الوقت المحدد غير مطلوب.

وأمام عصا المنع والمنح الإعلامية، يجدون أنفسهم متجهين إلى الملجأ والملاذ، حيث لا «فزاعة» التنظيمات غير الشرعية، ولا «عصا» الخروج على القانون، ولا حتى الاتهامات المعدة مسبقاً بأنهم «عملاء لجهات غير وطنية» أو «جواسيس لدول خارجة على الشرعية»، أو «شوية عيال غير واعية». إنه ملجأ الشبكة العنكبوتية.

واليوم وقد أعطت الشبكة شباب مصر شرعيتهم، انقلب الوضع، وبات الجميع يركض لاهثاً آملاً في أن يحوز على جانب، ولو بسيط، من وقت الشباب واهتمامهم. النائب السابق للرئيس المصري السابق اللواء عمر سليمان التقى عدداً من ممثليهم، لكن آخرين رفضوا الحوار لحين إتمام مطالبهم وعلى رأسها إسقاط النظام. وبعد إسقاط النظام، المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يسير أمور مصر في هذه المرحلة يلتقي ممثلين عنهم. أما الإعلام فيتهافت على استضافة ممثلين عن الشباب من جميع الأطياف والانتماءات السياسية والأيديولوجية.

ويكفي أن التلفزيون الرسمي بات يستضيف شباباً ينتمون إلى «جماعة الإخوان المسلمين» التي كانت تلقب بـ «المحظورة» حتى أيام قليلة مضت. أما الأسئلة التي يوزعها المعد على الشباب فلم يعد لها وجود. ليس هذا فقط، بل انتقل الشباب من صفوف الجمهور إلى دائرة لجنة الحكماء التي تدلو بدلوها وتجيب على الأسئلة الموجهة لها أحياناً من الجمهور.

هذا الانتزاع الشبابي غير المسبوق للشرعية والأهمية والمحورية لم يكن حكراً على الدوائر السياسية والإعلامية في مصر فقط، لكن اعترافاً من نوع آخر تم انتزاعه عبر القارات. فطيلة أيام الثورة المصرية، ظل مسؤولو العالم على اتصال بشيوخ ومسني النظام المصري السابق. محادثات وحوارات حول الأحداث الملتهبة، نصائح وآراء وربما توجيهات. ظلت الخطوط الهاتفية مفتوحة طيلة الوقت بين رموز الأنظمة، المصري من جانب، والأنظمة الدولية لا سيما الأميركية والأوروبية من جانب آخر.

لكن من أبرز آثار نجاح الثورة التحول الذي طرأ على اتجاه خطوط الاتصال هذه بعد 12 شباط (فبراير) الجاري. انضم الشباب المصري إلى زمرة الجهات المتلقية لاتصالات زعماء ومسؤولي دول العالم. بل أصبحوا وجهة يزورها أولئك المسؤولون الذين يتوافدون لزيارة مصر هذه الأيام. «رئيس وزراء بريطانيا يلتقي المشير طنطاوي ورئيس الوزراء وشبــاب الثورة»، «وزيـرة خــارجية الاتحــاد الأوروبي تلــتقي رئيــس الـوزراء وشبـاب التـحرير».

وجاءت أبرز الاعترافات الدولية بشباب مصر عنكبوتياً ليناسب جذور الثورة، قد أجرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حواراً مع عدد من شباب مصر من خلال موقع «مصراوي» الإلكتروني أحد أقدم المواقع الخبرية المصرية على شبكة الإنترنت.

وبدلاً من الأسئلة المعدة سلفاً والخاضعة لرقابة ذاتية وخارجية، استقبل الموقع ما يزيد على 6500 سؤال بالإضافة لعدد كبير من المشاركات الصوتية والمرئية، وتم اختيار أكثر الأسئلة التي حازت على إجماع زوار الموقع: «ما سبب تقلب موقف الإدارة الأميركية من الثورة المصرية في بداياتها؟»، «لماذا تحتفظ أميركا بعلاقات مع أنظمة متظاهر يلتقط صورة تذكارية مع وزير الخارجية الألماني غيدو وسترفالي .jpg قمعية؟»، «هل في إمكان الطريقة التي سارت عليها الثورة المصرية أن تغير الصورة النمطية السلبية عن المسلمين والعرب في أميركا؟»، وغيرها من الأسئلة التي اكتسبت شرعيتها من كونها نابعة من الشباب أنفسهم وغير خاضعة للرقابة وتم اختيارها بمبدأ الإجماع.

وعلى رغم أن مصر تعيش مرحلة انتقالية مدتها ستة أشهر، فإن الاعتراف بالشباب لن يكون انتقالياً، أو افتراضياً، لكن المؤكد أن «مصر الجديدة» ستكتب تاريخها السياسي والدستوري والاقتصادي والاجتماعي والنفسي بأقلام شابة، أو لنقل بصفحات إلكترونية ورسائل «تويترية» شابة حائزة على اعتراف مجتمعها ومجتمعات العالم. أما العصي السابقة على 25 كانون ثاني (يناير) فمقدر لها أن تتحول إلى عصي افتراضية قد يلوح بها في حال خرج أحدهم على شرعية الاعتراف بدور الشـباب فــي كتابة تـاريخ بـلادهم ورسم جغرافيتها. دار الحياة
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث