ثورة لبنان للأردنيين: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

 

رانية الجعبري

 

يُطلق الأردني النكات على الثورة اللبنانية وتحديداً على المرأة اللبنانية، فيفضح حنينه أو توقه ربما لمنطق حياة يحاربه في يومياته، باسم الدين تارة وباسم العادات والتقاليد تارة أخرى.

بغض النظر عن الموقف مما يجري في لبنان، وبالرغم من أنّ المشهد المركب هناك يُصعّب اختصاره وتحليله بكلمات معدودة هنا، لكن نكات الأردنيين حول الثورة في لبنان، الذي يعد دولة منفتحة اجتماعياً مقارنة بالأردن، تضع الأردني مجبراً أمام المرآة، وبالتالي يمكنه أن يسأل نفسه، عندما يتذكر جيداً أن بلده إنما هي جزء من بلاد الشام من حيث الأصل: “كلنا شام، فلماذا هذه المسافات الضوئية حضارياً باتت تفصلنا؟”.

حنين أو تحرش باسم الانتصار للثورة اللبنانية؟

من النكات التي تداولها الأردنيون في اليومين الماضيين “للزوجة الأردنية.. إذا شفتي زوجك منزّل منشور تضامن وتأييد للشعب اللبناني.. اسألي زوجك.. وين كنتوا لما اعتصموا السودانيين”. وفي نكتة أخرى “الرئيس اللبناني بذات نفسه والحكومة اللبنانية مش مخنوقين من الثورة قد بنات الأردن”. هذا غيض من فيض، يضاف إليه حوارات جلسات الناس المستغربة من حضور المراة اللبنانية برقتها وانفتاحها في الاعتصامات والمتاهرات التي عمّت البلد.

يضاف إلى ما سبق “هضامة” الشعب اللبناني الذي اعتاد أن يجعل للمرح والمتعة قسماً مهما في حياته خلافاً لأهل الأردن بالمجمل، الساعين لتأمين حياة كريمة، متناسين أن الحياة الكريمة أيضاً لا بد أن تتضمن متعاً، البعض في الأردن يراها حراماً والبعض الآخر يرى أن لا داعي لها، فالأساسيات أولى.

بغض النظر عما تعكسه النكات المتداولة في أوساط الشباب الأردنيين، لكن هل يتخيل هؤلاء الشباب أن جداتهم وأمهاتهم اللواتي عشن في الأربعينات والخمسينيات والستينيات وحتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي كن يتسمنّ بالرقة التي تتحلى بها فتيات لبنان اليوم، وكنّ يلبسن ثياباً تكشف سيقانهن وأذرعهن، وكان الحجاب الديني، الذي يسلب المرأة أنوثتها، بعيداً كل البعد عن يوميات الناس في هذا البلد؟

الجميع يعلم ذلك، لكنهم يبررون الاقلاع عن تلك الثياب وعن تلك الحياة بأن الله قد هدى الناس هنا. فإن كانت هداية الله فعلاً هي التي ساقتنا إلى هذا الحال الاجتماعي الغريب عن موروثنا الثقافي والاجتماعي، فلماذا تفضح أخبار الثورة في لبنان الحنين في قلوب الشباب إلى المراة المتحررة من الثياب التي بات يسكنها ثقل الماضي (طبعاً في حال كان الماضي يعترف بقهر المراة جسدياً لصالح قيم اجتماعية وسياسية) ومن ثقل العادات والتقاليد؟ أو أن ذلك يندرج في باب التحرش العابر للحدود المحمي بالنكتة تارة وبالهمس بين الأصحاب تارة أخرى؟

ما سبق لا ينفي أن الشارع الأردني اليوم لا يخلُ من فتيات يؤمنّ بالحرية، لكنهن في النهاية بالنسبة لشباب كثر، يعتبرن صيداً سهلاً بسبب أفكارهن، أو أن سلوكهن لا يحظى بالقبول، وأنهن لسن النموذج.

مَن الذي يجب أن يثور في الأردن؟

لو قرأت المرأة الأردنية طرفاً من تاريخ بلدها القريب، وقلبت بتمعن صور جدتها وأمها، وتعرفت على طرف من الموروث الاجتماعي لدى البدو والفلاحين في هذا البلد، لأدركت أن الثورة الحقة عليها أن تبدأ بها أولاً ليستقيم حال البلد. وللغرابة، فإننا ان تتبعنا التاريخ السياسي القريب سنجد أنه لا فصل بين تنورة الأمهات القصيرة في البلد وبين تحرر البلد الاقتصادي وتقدمه.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العودة للتنورة القصيرة لا يعني حتماً العودة إلى مشروع تحرير الاقتصاد الوطني من التبعية الى الغرب. إذ لا بد من صياغة مشروع وطني سياسي اجتماعي اقتصادي متكامل، بعيداً عن براثن الإسلام السياسي الذي كان وسيلة لشغل الاردنيين وابعادهم عن أفكار اليسار والقومية تحت شعار “الهداية”.

 في الأردن تحديداً، ارتبطت حرية جسد المرأة بالمشروع الاقتصادي الذي يحدده المشروع السياسي إلى مدى بعيد. ففي زمن حكومة سليمان النابلسي في العام 1957 والتي ما زال يحنّ إليها الأردنيون، ويعتبرونها أول حكومة منتخبة بالنسبة لهم، كان أحداً لا يتدخل في خزانة المرأة الأردنية.

لقد تبنت حكومة سليمان النابلسي التي عبرت عن طموح الشعب في ذلك الحين، منهجاً قومياً يسارياً سواء في المنحى الاقتصادي أو السياسي. وكان اليساريون في الأردن غالبية، لذا يمكن فهم حالة التحرر في الزي، لدرجة ان الأردنيين كانوا إذا خلعت المرأة الزي التراثي وارتدت التنورة القصيرة قالوا “تمدنت” كناية عن أنها نحت منحى مدنياً، ولا يقولون كما يقولون اليوم “فرّعت” كناية عن الانحراف عن الخط المرسوم لها.

لقد لعبت التناقضات السياسية في المنطقة والتحالفات دوراً مهماً في رسم مسار حياة المرأة الأردنية من حيث لا تدري. يقول رولان دالاس في كتابه “الحسين حياة على الحافة” في باب أسماه “تحدٍّ من اليسار”: “كان رئيس الوزراء الجديد متطرفا (يقصد هنا سليمان النابلسي)، لكنه أيضاً واقعي. فقد كان هدفه الطويل الأمد التوصل إلى نوع من الاندماج بين الأردن والنظام القومي العربي في سوريا. وفي هذه الحال، أمكن اعتباره العدو اللدود للحسين”.

كانت التناقضات بين النابلسي والملك حسين تتعاظم، فالأول أراد رفض مبدأ أيزنهاور، في حين أن الملك حسين أيده. كذلك أراد الأول إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين والاتحاد السوفياتي، وهذا كان غير مقبول للملك. تنامت التناقضات حتى طرد الملك حسين النابلسي. وبعد ذلك تم اعلان الأحكام العرفية في الأردن واغلاق الاحزاب في حين بقي العمل الدعوي الاسلامي الذي يقوده الاخوان المسلمون المقربون من الحكم في الأردن في ذلك الحين مسموحاً، وكان الهدف هو البدء في التصدي للحضور اليساري والقومي في البلد.

ماذا لو كان الخيار المناقض لليسار والقومية في الأردن ليس اسلامياً؟ ما هو شكل خزانة ثياب المرأة الأردنية؟ ما هي ملامحها اليوم؟

لقد تطلب أمر إعادة تشكيل خزانة المراة الأردنية ثلاثين عاماً (منذ نهاية الأربعينيات وحتى مطلع الثمانينات)، وكلما حدث متغير سياسي اقليمي ودولي كبير كانت تمتد يد “الهداية” كما يحب الاسلاميون تسميتها هنا، وتجري تعديلاً على خزانتها. لقد كان لوفاة جمال عبد الناصر (العدو اللدود للاسلاميين) وصعود الرئيس المؤمن أنور السادات، وزيارته “إسرائيل” دور في إدخال بعض التعديلات البسيطة على ثياب المراة الأردنية، وفي تلك الفترة تحديداً وبعد سفر الشباب للعمل في دول الخليج بدأت الوهابية تجد طريقها إلى المجتمع الأردني الذي بات مهيئاً أكثر من أي وقت سبق “للهداية”.

ومع كل نكسة عربية وعالمية كانت “الهداية” تجد طريقها نحو قلوب المواطنين وخزانة المراة تحديداً، تكلل ذلك في انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية الثمانينات، حينها كان الحجاب ينتشر كما النار في الهشيم، وكان أساتذة الجامعات التابعين للإخوان المسلمين يربطون كثيراً بين نهضة الأمة و”هداية” المرأة إلى الحجاب، واليوم بات من النادر أن يرى المرء في الأردن فتيات بلا حجاب، وأمتنا العربية تتهاوى، فهل ثمة مشكلة ما في “نبوءتهم السياسية”!

التراث الأردني منتصرا للمرأة وقوتها

يحاول الكثيرون تصوير تحرر المرأة وكأنه دخيل على ثقافتنا، لكن الواقع يقول غير ذلك. ففي الأردن مثل شعبي بدوي يقول “أخت الرجال ما تهاب الرجال”، وهذا جزء بسيط من موروث كامل ينتصر للمراة القوية والحرة. ولو كان تمدُّن المرأة الأردنية منافياً للعارات البدوية والقروية في الأردن لما تمكنت المراة الاردنية من خلع زيها التراثي الطويل وارتداء التنورة القصيرة في الأربعينات والخمسينات بسلاسة.

كان جسد المراة في هذا البلد حلالاً، وأطاحت به الظروف الإقليمية والدولية والتناقضات السياسية، فهل يقبل الأردنيون اليوم بنبش صورتهم الأولى من ركام التاريخ ويعيدوها إلى واجهة حياتهم؟ أليست الثورة اللبنانية ونكات الأردنيين عن اللبنانيات مرآة يرى الأردني فيها حقيقة رغبته في حياة أخرى؟

فرصة استعادة الحرية لخزانة الثياب

في العام 2015، وبعد صمود الدولة السورية في وجه الجماعات الارهابية، بدأ الحديث وسط النخب عن نهاية خيار الإسلام السياسي المتمثل في الإخوان المسلمين في العالم العربي. حينها صاغت كل دولة عربية مقاربتها الخاصة في قصّ أجنحة أتباع الاسلام السياسي لديها.

من ناحيته، اتخذ الأردن مقاربة قانونية ناعمة، إذ أثيرت اشكالية قانونية جماعة الإخوان المسلمين في الأردن. الخلاف الناعم الذي أدارته الحكومة الأردنية مع الإخوان المسلمين يتيح المجال للقوى الحضارية في الأردن لأن تبدأ في ملأ ذلك الفراغ الاجتماعي الذي ستتركه الحركة، بما أن مشروعها سيتعرض في السنوات القادمة للذبول.

إن مبررات الاستدارة نحو “الهداية” ماعادت موجودة سياسياً واقليمياً، فهل يمكن اتخاذ القرار الجريء بالعودة إلى الأصل؟

 

 

 


أضف تعليق


كود امني
تحديث